الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
238
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إبراهيم قدوة لإبطال قول المشركين وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ [ الزخرف : 22 ] قال تعالى : قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ الممتحنة : 4 ] أي فما كان لكم أن تقتدوا بآبائكم المشركين وهلا اقتديتم بأفضل آبائكم وهو إبراهيم . والبراء بفتح الباء مصدر بوزن الفعال مثل الظّماء والسّماع يخبر به ويوصف به في لغة أهل العالية - وهي ما فوق نجد إلى أرض تهامة مما وراء مكّة - وأما أهل نجد فيقولون بريء . والاستثناء في قوله : إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي استثناء من ( ما تعبدون ) ، و ( ما ) موصولة أي من الذين تعبدونهم فإن قوم إبراهيم كانوا مشركين مثل مشركي العرب . وقد بسطنا ذلك فيما تقدم عند قوله : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً [ الأنعام : 74 ] . وفرع على هذا قوله : فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ لأن قوله : إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ يتضمن معنى : إنني اهتديت إلى بطلان عبادتكم الأصنام بهدي من اللّه . وسين الاستقبال مؤذنة بأنه أخبرهم بأن هداية اللّه إياه قد تمكنت وتستمر في المستقبل ، ويفهم أنها حاصلة الآن بفحوى الخطاب . وتوكيد الخبر ب ( إنّ ) منظور فيه إلى حال أبيه وقومه لأنهم ينكرون أنه الآن على هدى فهم ينكرون أنه سيكون على هدى في المستقبل . [ 28 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 28 ] وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 28 ) عطف على إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ [ الزخرف : 26 ] أي أعلن تلك المقالة في قومه معاصريه وجعلها كلمة باقية في عقبه ينقلونها إلى معاصريهم من الأمم . إذ أوصى بها بنيه وأن يوصوا بنيهم بها ، قال تعالى في سورة البقرة [ 131 - 132 ] إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، فبتلك الوصية أبقى إبراهيم توحيد اللّه بالإلهية والعبادة في عقبه يبثونه في النّاس . ولذلك قال يوسف لصاحبيه في السجن يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ يوسف : 39 ] وقال لهما إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إلى قوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ يوسف : 37 - 40 ] .